سيد محمد طنطاوي
548
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
الوصول إلى غايته ، وهو يعبر عن هذا التصميم بما حكاه عنه القرآن بقوله : « أو أمضى حقبا » . وقد أشار الآلوسي - رحمه اللَّه - إلى سبب تصميم موسى على هذه الرحلة فقال : وكأن منشأ عزيمة موسى - عليه السلام - على ما ذكره ما رواه الشيخان وغيرهما من حديث ابن عباس عن أبي بن كعب ، أنه سمع رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم يقول : « إن موسى - عليه السلام - قام خطيبا في بني إسرائيل فسئل : أي الناس أعلم ؟ فقال : أنا . فعاتبه اللَّه - تعالى - عليه ، إذ لم يرد العلم إليه - سبحانه - فأوحى اللَّه - تعالى - إليه : إن لي عبدا بمجمع البحرين هو أعلم منك . وفي رواية أخرى عنه عن أبي - أيضا - عن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم أن موسى - عليه السلام - سأل ربه فقال : أي رب إن كان في عبادك أحد هو أعلم منى فدلني عليه فقال له : « نعم في عبادي من هو أعلم منك ، ثم نعت له مكانه وأذن له في لقائه » « 1 » . ثم تقص علينا السورة الكريمة ما حدث بعد ذلك فتقول : * ( فَلَمَّا بَلَغا مَجْمَعَ بَيْنِهِما نَسِيا حُوتَهُما . فَاتَّخَذَ سَبِيلَه فِي الْبَحْرِ سَرَباً ) * . والفاء في قوله : * ( فَلَمَّا بَلَغا ) * وفي قوله * ( فَاتَّخَذَ سَبِيلَه . . ) * هي الفصيحة . والسرب : النفق الذي يكون تحت الأرض . أو القناة التي يدخل منها الماء إلى البستان لسقى الزرع . والمعنى : وبعد أن قال موسى لفتاه ما قال ، أخذا في السير إلى مجمع البحرين ، فلما بلغا هذا المكان « نسيا حوتهما » أي : نسيا خبر حوتهما ونسيا تفقد أمره ، فحيي الحوت ، وسقط في البحر ، واتخذ « سبيله » أي طريقه « في البحر سربا » . أي : واتخذ الحوت طريقه في البحر ، فكان هذا الطريق مثل السرب أي النفق في الأرض بحيث يسير الحوت فيه ، وأثره واضح . قال الإمام ابن كثير : قوله * ( فَلَمَّا بَلَغا مَجْمَعَ بَيْنِهِما نَسِيا حُوتَهُما ) * وذلك أنه كان قد أمر بحمل حوت مملوح - أي مشوى - معه وقيل له : متى فقدت الحوت ، فهو ثمة - أي الرجل الصالح الذي هو أعلم منك يا موسى في هذا المكان - فسارا حتى بلغا مجمع البحرين . وهناك عين يقال لها عين الحياة ، فناما هناك ، وأصاب الحوت من رشاش ذلك الماء
--> ( 1 ) تفسير الآلوسي ج 15 ص 313 .